فخر الدين الرازي

127

تفسير الرازي

فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله * ( إلا أن تكون تجارة حاضرة ) * لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ألا ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يداً بيد ، ثم قال : * ( فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ) * ( البقرة : 282 ) معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه . ثم قال تعالى : * ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) * وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان . واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط . ثم قال تعالى : * ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) * واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهياً للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهياً لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول : قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني : قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد . واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في * ( لا يضار ) * أحدهما : أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني : أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله * ( لا تضار والدة بولدها ) * وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه * ( ولا يضارر ) * بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس * ( ولا يضارر ) * بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك * ( وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم قال : وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة ، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد ، ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة * ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) * ( البقرة : 283 ) والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطاباً للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم .